الحطاب و الشيخ

واحة الطفولة » واحة الأخلاق
21 - محرم - 1435 هـ| 25 - نوفمبر - 2013


1

في يوم من الأيام حدث جفاف في إحدى القرى، حتى إن المطر لم ينزل لفترة طويلة، فأصبحت أشجار الغابة يابسة، و البحيرات ناشفة، ولم يبق في الآبار ولا قطرةٌ من الماء، ماعدا جدول يعرفه حطاب يدعى عمر كان في كل يوم يملأ القنينة.

كان عمر رجلا كادحا، عاش حياته فقيرا، يعمل في الغابة، يقطع الحطب و يرفعه على ظهره، ثم يذهب إلى السوق القريبة ليبيعه و يتصدق بجزء من ثمنه على الفقراء و المساكين، أما باقي الثمن، فيبقيه في جيبه لينفقه على عائلته المتكونة من ثلاثة أولاد و أمهم، راضيا بما قسم الله له، و لو كان قليلا.

ذات يوم وكعادته خرج الحطاب "عمر"  للبحث عن رزقه و رزق عياله، فذهب إلى الجدول و ملأ قنينته ماء، و صدفة اعترضه رجل طاعن في السن يدعى "فرجـان"  يكاد يموت عطشا، فاقترب منه عمر الحطاب، و أخذ القنينة و فتحها و سقاه إلى أن ارتوى. و تحسنت حالته و حمد الله على نعمته.

أخذ عمر القنينة، و هم بالانصراف، لكن الشيخ سأله: إلى أين أنت ذاهب؟

قال: إلى الغابة.

فقال له الشيخ: و ماذا تعمل يا رجل؟

قال: اعمل حطابا من زمان، و اسمي عمر.

فقال الشيخ: هل تسمح لي بأن اصطحبك يا عمر؟

رد عليه : نعم، يمكنك أيها الشيخ مرافقتي.

و ذهب الرجلان معا إلى الغابة الجبلية، و عندما وصلا، جلس الشيخ تحت جذع شجرة، و أخذ عمر معوله و بدأ يقص الحطب و يجمعه و هو مبتهج ينشد اهزوجات شعبية  أعجبت الشيخ الذي تفاعل معها.

كان الشيخ في الأثناء يراقبه من بعيد و هو سعيد ببساطة هذا الرجل، و تلقائيته، و شهامته و حسن عشرته، و طيبة قلبه و هو الذي أنقذه من موت محقق، عندما نال منه العطش، و قال في نفسه: إن هذا الحطاب يستحق كل خير.

كان الحطاب يعمل بجد و كد، و في كل مرة يلقي نظرة نحو الشيخ فرجـان فيها ابتسامة، و كان الشيخ بدوره يلوح له بيده وكأنه يرد عليه التحية بأحسن منها.

و بينما هو كذلك، جاء عمر للشيخ و قال له: هل أعجبك عملي؟

قال: نعم، انه عمل شاق و لكنه ممتع.

قال الحطاب للشيخ:  الآن انتهيت من قطع الحطب، و سأجمعه كوما ثم أحمله على ظهري، و سوف أحتاج إلى مساعدتك لي.

رد عليه الشيخ: سأحاول بقدر المستطاع مساعدتك، و كما تعرف أنا رجل طاعن في السن تركت مدينتي و جئت من بعيد من أجل زوجتي التي تركتها مريضة جدا.

قال الحطاب: و أين توجد مدينتك أيها الشيخ؟

قال: أنا الشيخ فرجان، أعيش في المدينة الشرقية، أملك ضيعة كبيرة.

قال الحطاب: إنها مدينة الخير الوفير، أنا أسأل فقط لماذا تركتها، و جئت إلى قريتنا الفقيرة، و التي تشهد جفافا و قحطا؟

رد عليه الحطاب: جئت لأقتني من سوق قريتكم نوع من الحشائش اسمه البنجر، فطبيب المدينة الشرقية قال لي: إن هذا النوع من الحشائش، لا يوجد إلا في القرية لاستعماله كدواء لزوجتي المريضة.

ابتسم الحطاب و قال له: أيها الشيخ عندما اذهب إلى السوق سوف أجلب لك حشائش "البنجر"، هيا ساعدني على حمل الحطب الآن.

قام الشيخ و حاول مساعدة عمر الحطاب على حمل كوم الحطب على ظهره، لكنه فشل!. فقال الشيخ فرجان: لا عليك، اترك هذا الحطب هنا، وهيا معي إلى مدينتي الشرقية لترى ضيعتي.

ترك الحطاب كوم الحطب، و ذهب مع الشيخ فرجان إلى المدينة الشرقية بعد أن قطعوا عدة أميال، وفور وصولهما اندهش الحطاب عمر، و قال للشيخ: كل هذه الضيعة لك يا شيخ؟

قال: نعم، هي ضيعتي التي كونتها بكد و عرق جبين.

رد عليه الحطاب قائلا: ما شاء الله.

كان الحطاب عمر يسأل نفسه: هل أنا في منام أم في يقظة؟

و فجأة أخذ الشيخ فرجان عمر الحطاب من يده، و قال له: انظر يا صديقي الحطاب كل هذه الجمال هي لي، فاختر واحدا منها؟

قال: و لكن كيف؟ و لماذا ؟

رد عليه الشيخ: لا عليك، اختر جملا لتحمل على ظهره كوم الحطب الذي جمعته في الغابة الجبلية.

اختار عمر الحطاب واحدا من الجمال، و أخذه و عاد إلى القرية، و قطع أميالا ليصل الغابة، و ترك الشيخ فرجان في مدينته الشرقية.

و عندما وصل، برك البعير و وضع الحطاب عمر "كوم الحطب" على ظهره، ثم دخل السوق و باع كل الحطب فقبض ماله و تصدق بجزء منه على الفقراء و المساكين كما جرت العادة، ثم اشترى للشيخ فرجان حشائش "البنجر" كدواء لزوجته المريضة.

ذهب عمر الحطاب إلى بيته فرحا مسرورا، فاندهشت زوجته عندما رأته يجر بعيرا، فقال لها: إنه جمل لصديق له و سوف أعيده له، و لذلك سأتغيب عنك لفترة طويلة نسبيا، فلا تشغلي بالك و انتظري مجيئي إليك الليلة أو غدا، ثم ودع زوجته ميمونة و أبنائه.

قطع الجمل أميالا و أميال، إلى أن وصل من جديد إلى المدينة الشرقية، فكان الشيخ فرجان في انتظاره. رحب به و قدم له أشهى و ألذ المأكولات و أحسن وفادته و كرمه، ثم استأذن لكي يعود إلى قريته لأنه ترك زوجته و أبنائه في انتظاره.

تعانق الرجلان ثم نظر في عينيه و قال للشيخ فرجـان: شكرا على مساعدتك لي، و على كرم الضيافة و إليك دواء زوجتك، لقد جلبت لك الحشائش التي طلبتها.

سعد فرجان الشيخ بالحشائش كثيرا. و قال للحطاب: احتفظ بالبعير فهو لك، سوف يساعدك في عملك، و هو هدية مني لك فأنت من أنقذت حياتي بشربة ماء عند ما نال مني العطش، و ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، ثم تصافحا و غادر المكان.

 

و هكذا يا أصدقائي الصغار فان الإحسان دليل على النبل، واعتراف بالفضل، وعرفان للجميل، وقيام بالواجب، واحترام للمنعم، ينبئ عن الصفاء، وينطق بالوفاء، ويترجم عن السخاء.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...