أحلام وأوهام (3)

عالم الأسرة » رحالة
05 - رجب - 1437 هـ| 13 - ابريل - 2016


1

استئنافا لما ذكرناه في الحلقة السابقة، فالإنسان إذا كان صالحاً مستقيماً على طاعة الله تعالى، فإنه لا يضره أن يرى نفسه أو يُرى على حالةٍ لا تسر، وإذا كان سيئاً عاصياً في يقظته فإنه لا ينفعه أن يرى نفسه أو يُرى على أحسن حال. روى ابن مفلح: كان ابن سيرين يُسأل عن مئة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أن يقول: "اتق الله وأحسن في اليقظة, فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم".

وقال المروذي: أَدخلت إبراهيم الحميدي على أبي عبد الله [أي أحمد بن حنبل] وكان رجلا صالحا فقال: إن أمي رأت لك كذا وكذا وذكرت الجنة، فقال: "يا أخي إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا, وخرج سهل إلى سفك الدماء" وقال: "الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره".

الرؤيا قد تكون تحذيرا أو تنبيها للإنسان أو لغيره من غفلة يعيشها، أو معصية يرتكبها، أو خاتمة سوء إن استمر على ما هو عليه من انحراف وضلال، وهذا لا يكون في الحلم الذي هو من تحزين الشيطان وتنكيده، بل يكون من الله بفضله ورحمته، فينبغي للمرء إذا رأى في منامه ما يوجب تنبيهه أو تحذير غيره أن يتفطن لذلك .

وله أن يحذِّر غيره من مكيدة محتملة، أو سوء متوقع رئاه له في منامه، لكن دون أن تخصص له أحداً بعينه، فإن كان ما تخشى شره، فقد أخذتم حذركم، ولم يضركم شيء إن شاء الله، وإن تخلف ما تخشون، ولم تكن الرؤيا على ما خفتم وقوعه، لم يضركم شيء، ما دمتم لم تتكلموا في حق أحد بسوء، ولم تعتدوا على أحد.

من أراد أن تصدق رؤياه، فليتحرّ الصدق وأكل الحلال والمحافظة على الأمر الشرعي، واجتناب ما نهى الله تعالى عنه ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وينام على طهارة كاملة مستقبل القبلة ويذكر الله ـ تعالى ـ حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة.

ففي حديث البخاري قال (لم يبق من النبوة إلا المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة). وفي رواية مسلم: (لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة).

قال الإمام البغوي: واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقساماً، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقَلْب [أي العكس].

     فالتأويل بدلالة القرآن: كالحَبْل، يعبَّر بالعهد، لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ} [آل: عمران103]

والتأويل بدلالة السنة: كالغراب يعبر بالرجل الفاسق، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سماه فاسقاً.

والتأويل بالأمثال: كحفر الحفرة يعبَّر بالمكر، لقولهم: "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها".

والتأويل بالأسماء: كمن رأى رجلا يسمى راشداً يعبَّر بالرُشد.

والتأويل بالضد والقلب: كالخوف يعبر بالأمن لقوله تعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} [النور:55].

قال الشيخ السعدي في تفسيره: "علم التعبير من العلوم الشرعية، ويثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وتعبير المرائي داخل في الفتوى، لقوله للفتيين: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} وقال الملك: {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} وقال الفتى ليوسف: {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ} فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم".

وبناء على ذلك يجوز تفسير الأحلام إذا كان المعبر يعرف تفسيرها، فقد عبرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعبرها أبو بكر -رضي الله عنه- بحضرته، وأما الجاهل بذلك فلا يجوز له تفسيرها. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يحدث أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر منهم والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذه رجل آخر فعلا به، ثم أخذه رجل آخر فانقطع به، ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعبر) قال: أما الظلة فالإسلام، أما الذي تنطف من العسل والسمن: فالقرآن حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض: فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأت؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً) قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: (لا تقسم).

مفسرو الأحلام الموثوق بهم هم أهل الفراسة، الذين يعلمون أن الأحلام تلتبس بالمرائي، فالأحلام من الشيطان والرؤيا من الله، والجراءة عليها جراءة عظيمة، فتحتاج إلى ورع ومعرفة بمدلولات اللغة، ومعرفة بواقع الناس وعاداتهم، وحصول الإنسان على مستوى من الفراسة والذكاء يؤهله لذلك، وليس كل إنسان أهلا لذلك.

أما كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين، فإن نسبته إلى التابعي المشهور الإمام محمد بن سيرين (ت: 110هـ) -رحمه الله- غير صحيحة؛ فالتابعون لم يؤلف أحد منهم كتابا قط، وأول من ألف الكتب مالك بن أنس، وابن جريج، وعبد الملك بن صبيح، وهشيم الواسطي هؤلاء هم أول من ألَّف الكتب، وكلهم من أتباع التابعين، فهذا الكتاب غير صحيح النسبة لمحمد بن سيرين -رحمه الله-.

قال الشيخ حمود التويجري -رحمه الله-: وقد أُلَّف في تعبير الأحلام عدة مؤلفات، منها ما ينسب إلى ابن سيرين، ومنها ما ينسب إلى غيره، ولا خير في الاشتغال بها، وكثرة النظر فيها؛ لأن ذلك قد يشوّش الفكر، وربما حصل منه القلق والتنغيص من رؤية المنامات المكروهة، وقد يدعو بعض من لا علم لهم إلى تعبير الأحلام على وفق ما يجدونه في تلك الكتب، ويكون تعبيرهم لها بخلاف تأويلها المطابق لها في الحقيقة، فيكونون بذلك من المتخرصين القائلين بغير علم، ولو كان كل ما قيل في تلك الكتب من التعبير صحيحًا ومطابقًا لكل ما ذكروه من أنواع الرؤيا، لكان المعبرون للرؤيا كثيرين جدًا في كل عصر ومصر، وقد علم بالاستقراء والتتبع لأخبار الماضين من هذه الأمة أن العاملين بتأويل الرؤيا قليلون جدًّا، بل إنهم في غاية الندرة في العلماء، فضلاً عن غير العلماء، وذلك لأن تعبير الرؤيا علم من العلوم التي يختص الله بها من يشاء من عباده، كما قال تعالى مخبرًا عن يعقوب عليه الصلاة والسلام أنه قال ليوسف عليه الصلاة والسلام: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف:6]، وقال تعالى مخبرًا عن يوسف أنه قال للفتيين اللذين دخلا معه السجن: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}، وقال تعالى مخبرًا عن يوسف أيضًا أنه قال: {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف:101]، والمراد بتأويل الأحاديث تعبير الرؤيا قاله غير واحد من المفسرين".

لا يجوز لمن أعطاه الله موهبة تعبير الرؤى والمنامات أخذ الأجرة على هذا العمل؛ وذلك لأن تعبير الرؤى منفعة غير معلومة ولا منضبطة بل هي ظنية، والأجرة لا تكون إلا في مقابل عمل له منفعة مقصودة معلومة. ولا يصح قياس أخذ الأجرة على التعبير بأخذ الأجرة على الرقية؛ لأن الرقية من باب العلاج والمداواة، وهذه يصح الاستئجار عليها بالاتفاق.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...